|

بدأت الاحتجاجات العالمية على العولمة في اجتماعات
منظمة التجارة العالمية في سياتل بواشنطن لأنها كانت أوضح رمز على الظلم
العالمي ونفاق البلدان الصناعية المتقدمة. فبينما توعظ هذه البلدان ـ وتفرض ـ
فتح الأسواق في البلدان النامية لمنتجاتها الصناعية، إلا أنها استمرت في إبقاء
أسواقها مغلقة بوجه منتجات البلدان النامية كالمنتوجات النسيجية والزراعية.
وبينما توعظ البلدان النامية بعدم دعم صناعاتها، إلا أنها استمرت في تقديم
المليارات لدعم صناعاتها. وبينما توعظ بفضائل الأسواق التنافسية فإن الولايات
المتحدة سارعت في الضغط باتجاه إقامة كارتلات عالمية في الفولاذ والألمنيوم
ولاسيما عندما بدت صناعاتها المحلية مهددة بالإستيرادات، وضغطت الولايات
المتحدة باتجاه تحرير الخدمات المالية ولكنها قاومت تحرير قطاعاتها الخدمية
التي تتمتع فيها البلدان النامية بالقوة مثل الخدمات الإنشائية والخدمات
البحرية. فكان برنامج العمل التجاري العالمي غير عادل إلى درجة أن البلدان
الفقيرة لم تحصل حتى على حصة منصفة من المنافع فحسب بل أن أفقر منطقة في العالم
وهي شبه الصحراء الإفريقية ساءت أحوالها المادية فعلاً ويقول خبراء دوليون أنه
إذا ما استمرت العولمة في السير على هذا المنوال وإذا ما واصلت الفشل في التعلم
من أخطاها فإنها لن تفشل في تطوير التنمية فحسب بل ستواصل في تسبب الفقر وعدم
الاستقرار. ومن دون إجراء إصلاحات عليها. ستتصاعد ردة الفعل العنيفة التي بدأت
أصلاً وسيزداد الإستياء من العولمة. وكان من أحد الأسباب الذي هوجمت فيه
العولمة هو أنها تبدو وكأنها تزعزع القيم التقليدية. في البلدان فالصراعات
حقيقية ولا يمكن تفاديها إلى حد ما. والنمو الاقتصادي بضمنه ذلك الذي تحث عليه
العولمة ـ سيؤدي إلى تزايد النزعة الحضرية وزعزعة المجتمعات الريفية التقليدية،
وغالباً ما أظهر أولئك المسؤولون عن إدارة العولمة في أغلب الأحيان على الرغم
من إطرائهم لبعض المنافع الإيجابية، تقديراً غير كاف لهذه الناحية المعاكسة وهي
تهديد الهوية الثقافية والقيم. والأمر قد يبدوا عجيباً إذا ما عرفنا وأخذنا
بنظر الاعتبار الوعي بالقضايا في البلدان المتقدمة نفسها، فأوروبا تدافع عن
سياساتها الزراعية ليس على أساس المصالح الخاصة فحسب بل من أجل الحفاظ على
تقاليدها الريفية. والناس في البلدات الصغيرة أينما كانوا يشكون من أن تجار
التجزئة المحليين الكبار والمجمعات التسويقية قد قضوا على أعمالهم التجارية
الصغيرة ومجتمعاتهم. والسبب الآخر للتحامل على العولمة هو بسبب ما تفعله
العولمة بالديقراطية، فالعولمة بما نودي بها، غالباً ما تبدو وكأنها تستبدل
الدكتاتوريات القديمة من النخب الوطنية بدكتاتوريات جديدة من المال الدولي،
وتبلّغ البلدان فعلاً بأنها إذا لم تتبع شروطاً معينة فإن أسواق المال أو صندوق
النقد الدولي سترفض إقراضها المال، وتجبر أساساً على التخلي عن جزء من سيادتها
وتدع أسواق رأس المال المتهورة بما فيهم المضاربون الذين لا همَّ لهم سوى نمو
البلد في الأجل القصير بدلاً من نموه في الأجل الطويل وتحسين مستويات المعيشة
فيه، تقيّدها وتخبرها بما ينبغي أن تفعله وما لا تفعله. ولأجل تخطي هذه المشاكل
والعقبات أم تقبل الشعوب للعولمة فإنه لابد من إصلاح منظمة التجارة العالمية
والذي سيتطلب التفكير ملياً ببرنامج عمل تجاري أكثر توازناً ـ أكثر توازناً في
التعامل مع مصالح البلدان النامية وأكثر توازناً في التعامل مع الاهتمامات
كالبيئة التي تتعدى نطاق التجارة. كما أن معالجة الإختلالات الحالية لا يتطلب
انتظار العالم ريثما تنتهي جولات جديدة من المفاوضات التجارية، فالمسألة
الاقتصادية الدولية تتطلب اتخاذ البلدان المتقدمة إجراءات لفتح نفسها أمام
تجارة منصفة وعلاقات عادلة مع البلدان النامية من دون اللجوء إلى طاولة
المساومات أ, المحاولة لانتزاع تنازلات مقابل قيامها بذلك.
من الواضح أنه لابد من وجود ستراتيجية إصلاح متعددة المحاور. وينبغي إيلاء
اهتمام لإصلاح الترتيبات الاقتصادية الدولية. ولكن مثل هذه الإصلاحات ستستغرق
وقتاً طويلاً لكي تتبلور. ولهذا، ينبغي توجيه المحور الثاني نحو تشجيع
الإصلاحات التي سيقوم بها كل بلد بنفسه. فالبلدان المتقدمة تقع عليها مسؤولية
خاصة، في سبيل المثال، إزالة حواجزها التجارية وممارسة ما توعظ به. ولكن بينما
ستكون مسؤولية البلدان المتقدمة كبيرة فإن حوافزها ستكون ضعيفة. وعلى أية حال،
لا تخدم المراكز المصرفية الحرة وصناديق الحماية من الخسائر سوى مصالح البلدان
المتقدمة، وبإمكان البلدان المتقدمة الثبات جيداً إزاء عدم الاستقرار الذي قد
يجلبه فشل الإصلاح في العالم النامي. أن المؤسسات الدولية يجب أن تأخذ على
عاتقها التغيرات التي ربما ستكون مؤلمة لكي تتمكن من أداء الدور الذي ينبغي بها
القيام به لجعل العولمة تعمل، وتعمل ليس فقط من أجل الأغنياء والبلدان الصناعية
بل من أجل الفقراء والبلدان النامية. إن العالم المتقدم بحاجة إلى أن يقوم
بدوره في إصلاح المؤسسات الدولية التي تحكم العولمة. فهو الذي أنشاء هذه
المؤسسات وهو بحاجة لكي يُعمل من أجل تثبيتها. وإذا ما أراد معالجة الاهتمامات
المشروعة لأولئك الذين عبّروا عن استيائهم من العولمة وإذا ما أراد جعل العولمة
تعمل من أجل الملايين من الأشخاص الذين لم تفعل شيئاً لهم وإذا ما أراد إنجاح
العولمة بوجهها الإنساني، عندئذ يجب أن يُرفع أصواته إذ لا يسعه وما ينبغي له
الوقوف عاجزاً من دون أن يُفعل شيئاً. ويبدو أنه قد اتخذ الاتحاد الأوروبي
خطوات في هذا الاتجاه بمبادرة بالاستيراد الحر لجميع السلع من البلدان الفقيرة
إلى أوروبا باستثناء الأسلحة. ومع ذلك فإن هذا لن يحل جميع الشكاوي من البلدان
النامية فهي ما زالت غير قادرة على التنافس مع المنتوجات الزراعية الأوروبية
المدعومة بشكل بالغ، بيد أنها خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح، ويكمن التحدي الآن
في حمل الولايات المتحدة واليابان على المشاركة. إذ أن خطوة كهذه ستكون ذات نفع
عظيم على العالم النامي وستعود بالنفع حتى على البلدان المتقدمة التي سيكون
بوسع مستهلكيها الحصول على سلع بأسعار واطئة.
ولا شك بأنه ستساعد هذه الإصلاحات في جعل العولمة اشد إنصافاً وفعالية في رفع
مستويات المعيشة ولاسيما للفقراء. فالأمر ليس مجرد مسألة تغيير هياكل مؤسسية إذ
أن نمط التفكير بالعولمة نفسها يجب أن يتغير. فوزراء المالية والتجارة ينظرون
للعولمة كظاهرة اقتصادية إلى حد بعيد بينما هي أكثر من ذلك بكثير في نظر
العديدين في العالم النامي.
على سبيل الإصلاح
وفي أعقاب أزمة شرق آسيا وإخفاقات سياسات صندوق النقد الدولي كان هناك إجماع
عام على وجود خلل ما في النظام الإقتصادي الدولي ولابد من القيام بشيء حياله
لجعل الإقتصاد العالمي أكثر استقراراً ولذلك يقدم بعض الخبراء توصيات يقولون إن
من شأنها أن تعيد الثقة لتحقيق تنمية مبنية على مصالح متوازنة بين الدول الغنية
والفقيرة وهذه هي .
1ـ القبول بمخاطر تحرير سوق رأس المال وتدفق رأس المال قصيرالأجل (المال
الساخن) يفرض تأثيرات
خارجية بالغة يتحمل تكاليفها أولئك الذين هم ليسوا طرفاً
بصورة مباشرة في الصفقة (أي المقرضون والمقترضون).
ومتى ما كان هناك مثل هذه التأثرات الخارجية الكبيرة فإن التدخلات ـ بضمنها تلك
التي تجري من خلال النظامين المصرفي والضريبي ـ تكون مرغوبة ، وبدلاً من مقاومة
هذه التدخلات يجدر بالمؤسسات المالية الدولية توجيه مساعيها لجعلها تعمل بشكل
أفضل .
2ـ إصلاحات الإفلاس وتجميد التسديد، عادة ما تكون الطريقة المناسبة لمعالجة
المشاكل عندما لايستطيع مقترضوا القطاع الخاص التسديد للدائنين، سواءكانوا
محليين أو أجانب، من خلال الإفلاس وليس من خلال ضمانة الدائنين الممولة من
الصندوق، والمطلوب هو إصلاح الإفلاس الذي يشخص الطبيعة الخاصة لحالات الإفلاس
الناجمة من إضطرابات الاقتصاد الكلي.
ومثل هذا الإصلاح سيكون له مزية أخرى في حث المزيد من الجهد والعناية من جانب
الدائنين بدلاً من تشجيع ذلك النوع من الإقراض المتهور الذي كان شائعاً تماماً
في الماضي.
3ـ تقليل الإعتماد على الضمانات، مع إزدياد إستخدام اشهار الإفلاس والتجميد،
ستقل الحاجة للضمانات الكبيرة التي أخفقت مراراً إذ أن الأموال تذهب أما لضمان
التسديد للدائنين الغربيين (أكثر مما لو كان العكس) أو إبقاء أسعار بمستويات
أعلى من قيمتها لمدة أطول مما ستكون عليه بخلاف ذلك (مما يسمح للأغنياء داخل
البلد بإخراج الكثير من أموالهم بشروط مواتية تجعل البلاد مثقلة بالديون). وكما
رأينا، إن الضمانات لم تفشل في العمل فحسب بل أنها اسهمت في المشكلة حيث قللت
دوافع الحذر في الإقراض وفي تغطية مخاطر التحويل الخارجي.
4ـ تحسين نظم الرقابة المصرفية من حيث التصميم والتنفيذ في البلدان المتقدمة
والأقل تقدماً على حد سواء، فنظم الرقابة المصرفية الضعيفة في البلدان المتقدمة
يمكن أن تؤدي إلى ممارسات إقراض رديئة وتساهم في تصدير عدم الإستقرار، وعلى
الرغم من أن هناك نقاشاً في إن تصميم معايير كفاية رأس المال القائمة على
المخاطر يزيد من إستقرار النظم المالية في البلدان المتقدمة، إلا ان ثمة شكاً
قليلاً في أنها أسهمت في عدم الإستقرار العالمي من خلال تشجيع الإقراض
قصيرالأجل، فالغاء نظم الرقابة على القطاع المالي والاعتماد المفرط علىمعايير
كافية رأس المال كانت مضللة ومزعزعة للإستقرار، والمطلوب هو مدخل أوسع أقل
إيدولوجية للقيود مكيّف وفق إمكانيات وظروف كل بلد.
5ـ تحسين إدارة المخاطر حيث تواجه البلدان حول العالم اليوم خطورة بالغة من
تقلب أسعار الصرف، وعلى الرغم من أن المشكلة واضحة إلا أن الحل ليس كذلك،
فالخبراء بما فيهم أولئك في الصندوق، كانوا مترددين في أنواع نظم أسعار الصرف
التي كانوا يدعون إليها.
فالبلدان الصغيرة كتايلاند التي تشتري وتبيع سلعاً للعديد من البلدان تواجه
مشكلة صعبة إذ يتراوح سعر الصرف بين العملات الرئيسة بحوالي 50 بالمائة أو
أكثر، وربط سعر صرفها بعملة معينة لن يحل المشاكل بل من الممكن أن يزيد
التقلبات تفاقماً فعلياً فيما يتعلق بالعملات الأخرى.
6ـ تحسين شبكات الضمان إذ يكمن جزء من مهمة إدارة المخاطر في تعزيز إمكانيات
الضعفاء ضمن البلد لإستيعاب الخطورة. ففي معظم البلدان النامية ، هنالك شبكات
ضمان ضعيفة بما فيها الافتقار إلى برامج التأمين ضد البطالة.
وحتى في البلدان الأكثر تقدماً، تتسم شبكات الضمان بضعفها وعدم كفايتها في هذين
القطاعين اللذين يهيمنان أصلاً في البلدان النامية، وستكون الزراعة وقطاعات
الأعمال الصغيرة وكذلك المساعدات الدولية أساسية إذا ما أرادت البلدان النامية
القيام بخطوات مهمة في تحسين شبكات ضمانها. |