لقاءات

 لم تكن تفجيرات سامراء حدثاً عادياً يمكن المرور عليه مروراً عابراً بل كانت ضربة في الصميم وجهها الإرهابيون إلى جسد الإسلام فالمرقد كان يضم شخصيتين من الشخصيات الإسلامية (وليس الشيعية فقط) التي تعد قمماً شامخة في سماء الإسلام قلّما جادت البشرية بمثلهما وكانت تلك العملية ضربة إلى كل القيم الإنسانية والإسلامية.
(النجف الأشرف) وإدراكاً منهـا لحجم هذه الجريمة اعدت ملفاً كان من بين مفرداته لقاء أجرته مع سماحة السيد أحمد الصافي إمام جمعة كربلاء المقدسة والعضو في الجمعية الوطنية وسألته جملة من الأسئلة التي تناولت الحدث من جوانب مختلفة.

 النجف الاشـــــــــــــــرف: ماذا تقولون في ما جرى في سامراء من اعتداء على ضريح الإمامين العسكريين (ع).
السيد الصافي: نحن نعتقد أن ما جرى بالرغم من قساوته وعظمه لكنه يبقى نتيجة طبيعية لترك الأمور بلا معالجة جادّة خلال هذه الفترة وقد ذكرنا في أكثر من مورد من جملتها ما في خطب صلاة الجمعة أن الأولوية يجب أن تعطى للمسائل الأمنية ولكن للأسف هناك بعض العقبات (وإني اعتقد شخصياً أن هذه العقبات يراد لها أن تبقى) أقصد صعّدت الأزمة بشكل أدى إلى حصول تلك النتائج السيئة.
النجف الأشرف: من تحملون المسؤولية في ذلك؟
السيد الصافي: في هكذا قضايا نحتاج إلى التفكيك بين شيئين بين الجهة المنفذة وبين الجهة التي تهيئ هذه الظروف وإن كانت غير مباشرة، وأما الجهة المنفّذة فإننا نعتقد أنها منحصرة في التكفيريين والصداميين ومن على شاكلتهم من الذين ورثوا أحقاداً على شيعة أهل البيت (ع). وأما الجهة الثانية وهي الجهة التي هيأت هذه الأجواء سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر فإنها تنحصر بين جهتين الأولى هي أجهزة الأمن العراقية وطبعاً لا أقصد الأجهزة الفعلية القائمة الآن وإنما أقصد طبيعة الجهاز الأمني الذي تشكل منذ سقوط النظام وحتى الآن ومعلوم أنه قد مر بثلاث مراحل، المرحلة الأولى مرحلة مجلس الحكم المرحلة الثانية مرحلة الحكومة الإنتقالية المرحلة الثالثة مرحلة الحكومة المنتخبة المؤقتة. وهذا الجهاز الأمني لم تكن هناك رؤية واحدة لبنائه وإنما ساهم في بنائه أكثر من إتجاه وقد تكون بعض من هذه الإتجاهات متناقضة مما ولّد ثغرات أساسية لم تعالج أو لم يتح لها فرصة المعالجة وهذه الثغرات لا زالت موجودة لحد الآن وهي أرضية صالحة لأن ينفذ من خلالها من يريد الإساءة وأما الجهة الثانية فهي قوات الإحتلال وأعتقد أن المفصل الحقيقي يكمن في هذا الإتجاه لأن هذه القوّات هي التي تمسك بالملف الأمني وهي المحرك له أو المحيّده له بحسب ما تراه من وجهة نظرها وبحسب التجربة فإن وجهة نظرها كانت قاصرةً عن استتباب الأمن بشكل يتلاءم ويتماشى إيجابياً مع العملية السياسية وهذا له كلام آخر نحن في غنى عنه الآن.
النجف الأشــــــــرف: كيف تقيّمون رد الفعل العربي والعالمي على الحادث؟
السيد الصافي: لقد تعوّدنا في أمثال هذه الظروف الحسّاسة والضربات الموجعة للشعب العراقي أن الإهتمام العربي لا يتعدّى جانب الإعلام ونقل التعازي وكذلك بعض الدول غير العربية فلم تكن هناك وقفة حقيقية مشعرة بالأخوة الإسلامية والعربية. نحن إذا أردنا أن نستثني فإننا نستثني دولة الكويت فإن موقفها كان واضحاً في أزمة النجف وحادث جسر الأئمة وهذا الحادث الأخير وهذا الموقف نقطة إيجابية يسجّل لهذه الدولة الشقيقة.
النجف الأشرف: كيف تقيّمون تعاطي الإعلام مع الحادث وما أعقبه من تداعيات؟
السيد الصافي: الإعلام قسمان الأول قسم يسارع إلى نقل الحقائق مع غضّ النظر عن التداعيات المسببة لهذا النقل والقسم الثاني هو قسم يترقب وبعبارة أخرى أنه قد ينقل الحدث لكنّه ينقله بشكل عادي فإذا ما وجد أن هناك أهمّية لهذا الحدث وأن هناك اهتمام من قبل الجهات الإعلامية الأخرى به فإنه أيضاً يحاول أن يستغل الموقف وعموماً التعاطي لم يكن بمستوى جيّد.

خطة أمنية أم ماذا؟

النجف الأشـــــــــرف: برأيك تسليم الملف الأمني في المناطق الساخنة للإدارات المحلية هل سيوفّر الأمن أو يحوّلها إلى بؤر لإيواء الإرهابيين؟
السيد الصافي: أنا أعتقد أن هذه المسألة لا تكون مجتزء على الوضع السياسي طبعاً وإذا أردنا أن نجيب على ذلك فإما أن نقول يترك الملف الأمني إلى الناس والإدارات المحلية ونحن نعلم أن الوضع على الأرض لا يساعد على ذلك أو نقول أنه يبقى بيد قوّات الإحتلال فيصار إلى نتيجة أنكم تريدون بقاء المحتل كلا الجوابين غير صحيح وهناك أسباب كثيرة للوضع القائم في تلك المناطق الساخنة من جملتها قربها من حدود بعض الدول الحاضنة للإرهاب وهنا لابد من ضبط الحدود أولاً وحصر الإرهابيين في مساحة صغيرة وتقوية الجانب الإستخباراتي المحلي وتطهير الأجهزة الأمنية العراقية من الثغرات والتي ذكرناها في جواب سؤال سابق وتهيئة العدّة والعدد الكافي، عند ذلك لابد أن نطالب بأن ينتقل الملف الأمني إلى الإدارات المحلية ولا أعتقد أن الجواب ينحصر بنعم أو لا، بل لابد من تهيئة ما ذكرت حتى تتم السيطرة العملية وليس الإعلامية.
النجف الأشــــــــــــــرف: ماذا بعد الذي حصل وكيف نضمن كي لا يتكرر؟
السيد الصافي: أولاً ليس هناك ضمان حقيقي لعدم تكرر هذا الأمر إذا لم تكن هناك معالجات حقيقية وجادّة لأسباب الحادث والسبب لم يتحدّد في بقعة أو مساحة من الأرض وإنما المنهج الأمني المتّبع لم يكن منهجاً موفّقاً وعلى القولين سواء من جانب القوات العراقية أو قوات الإحتلال فالمنهج خاطئ نعم في هذا الحادث إشارة ورسالة إلى خطورة المرحلة القادمة إذا لم نتدارك المشاكل بإيجاد الحلول النافعة لها.

الجمعية الوطنية في سبات

النجف الأشـــــــــــــــرف: هل اتخذت الجمعية الوطنية إجراءات معينة بخصوص ما حدث في سامراء؟
السيد الصافي: للأسف لم تتّخذ أي إجراء مع أنها بحسب القانون لا زالت شرعية وقد اتصلت شخصياً بأكثر من طرف لأجل انعقادها انعقاداً طارئاً كي تمارس دورها في هذا الحدث الحسّاس وقد استحسن الفكرة كل من اتصلت بهم لكن دون ظهور ذلك بشكل عملي.
النجف الأشـــــــــــــــــــرف: مجلس النواب المنبثق عن الانتخابات الدستورية من المفروض أن يسعى لإنقاذ الشعب من أزماته لكن هذا المجلس لا ينعقد إلا بعد التوافقات الحزبية ألا ترون في ذلك تضييعاً لمصلحة الناخبين العراقيين؟
السيد الصافي: نعم لا شك أن هناك تضييع لمصلحة الناخب العراقي لكني في نفس الوقت ألفت النظر إلى أن الجمعية الوطنية ما زالت شرعية ما لم ينعقد مجلس النوّاب ويؤدّي أعضاؤه القسم فبإمكان الجمعية الوطنية أن تعقد أكثر من جلسة لحل المشاكل الموجودة نعم لنا أن نتساءل لماذا هذا التأخر في انعقاد مجلس النواّب بعد أن ظهرت النتائج الأولية وانقضت فترة الطعون وصدّق على النتائج النهائية وقد مضى أكثر من شهرين ونصف ولم ينعقد هذا المجلس نعم أن سؤالكم مشروع وهو مهم جدّاً وهذا يكشف عن أن هناك مناقشات كثيرة لتجاوز بعض المشاكل قبل أن ينعقد البرلمان.
إن ظرف العراق الحالي يتطلّب من الكيانات السياسية أن تنضّج الأمور الهادفة لمصلحة العراق بشكل سريع ثم دعوة المجلس للإنعقاد وإذا لم تتمكن تلك الكيانات من حسم الأمور خارج المجلس بشكل توافقي فتترك إلى المجلس لحسمها حفاظاً على الأمانة الدستورية وعلى وقت العراق الجريح وعلى حق الناخب أما أن تترك الأمور هكذا مفتوحةً وبلا سقف فليس هذا في مصلحة أي طرف.

مجلس الحل والعقد

النجف الأشــــــــــــرف: معلوم لديكم سعي السياسة الأمريكية إلى رسم خارطة العراق السياسية بعيداً عن حجم مكونات الشعب العراقي الحقيقية وعلى طول المسيرة السياسية كما اليوم هناك سعي حثيث لمصادرة نتائج الإنتخابات والإلتفاف عليها بتشكيل مجلسٍ أعلى للقرار على غرار ما موجود في تركيا ما هو رأيكم في ذلك وهل ترون أن الشارع العراقي يتقبل ذلك؟ أم أنه قد يشكل بداية لأزمة جديدة؟
السيد الصافي: تكوين هكذا مجالس في نحوين الأول أن يكون مجلساً استشارياً بحتاً وهذا لا مانع منه إذ يوفّر أجواءً لجميع الأخوة والكيانات التي لم يكن حظّها وافراً في الانتخابات من أجل تقريب وجهات النظر والاستئناس بآرائهم في بعض القرارات المهمّة الثاني أن يكون لهذا المجلس دور أكثر من الاستشارة بل يتعدّاها إلى جانب تشريعيٍ أو تنفيذي فأما الجانب التشريعي فهو غير ممكن لأنه سيفرّغ الإنتخابات وما أطرزته من محتواها فضلاً عن أنه يحتاج إلى غطاء تشريعي أيضاً وهو مفقود. نعم إذا أقرّه البرلمان الجديد فإنه سيكتسب شرعيّته منه وأما الصفة التنفيذية فيه فهي موكولة بالوزارات والمواقع التنفيذية الأخرى ولا أعتقد أن له محلاً في ذلك وبالجملة يظهر أن المراد من هذا المجلس هو الجانب التشريعي وهناك طرح آخر قد يبدو من بعضهم أنه لابدّ أن يتشكّل مجلس يكون هو رأس الهرم في العملية السياسية برمّتها وهذا أيضاً غير مقبول لإفتقاره للشرعية كما ذكرنا. إن المشكلة تكمن بحسب اعتقادي في أن بعض الأطراف تشعر بوجود أزمة وتعتقد أن حلها بتشكيل هذا المجلس وهذا إعتقاد مجانب للصواب وفيه إغفال للواقع.
النجف الأشرف: هل من كلمة أخيرة؟
السيد الصافي: الكلمة الأخيرة التي أود أن أقولها هي أن هناك محاولات لإسقاط الرموز السياسية في أعين الناس بسبب إفتعال أزمات وتشكيل مافيات لتكوين دويلات داخل الدولة. وأن بعض المسؤولين يعلم بذلك جيّداً لكنّه لا يستطيع إظهار ذلك إلى الملأ ظنّاً منه أن هذه الأزمات في طريقها إلى الحل وهذا الإعتقاد غير صحيح بنظري.. على المسؤولين جميعاً أن يصدقوا العمل مع الناس والجماهير، يجب أن يظهر هذا المسؤول أو ذاك للإعلام ويقول بشكل صريح إنني حاولت أن أعمل ليلاً ونهاراً ولكنّي عجزت لا لتقصير مني بل بسبب إمّا تدخّلات حزبية أو إرهابية أو من قبل الإحتلال وعليه فإنني أعتذر عن الإستمرار بمسؤوليتي، لو حصل هذا فإن هذا المسؤول سيحمي نفسه وجماهيره أيضاً من الآثار السلبية التي تترتب على وجوده وأمثاله وهو مكبّل اليدين عن فعل أي شيء. هذه نصيحتي للأخوة المسؤولين مع اختلاف مراكزهم في الدولة.
النجف الأشـــــــــــــــــرف: في الختام نتوجه بالشكر الجزيل لسماحتكم متمنين لكم دوام الموفّقية.