|
في السنة الثامنة للهجرة وبعد ما شاهد
المسلمون ما آل إليه حالهم من الخير الوفير والكرامة والشرف والجاه في ظل
الدين الإسلامي المحمدي بعد ما كانوا ـ في الجاهلية ـ يعيشون شظف العيش
أذلاء يخافون أن يتخطفهم الناس ، بعد ما أحسوا بهذا جاءوا إلى الرسول
(صلى الله عليه وآله) ومعهم أموالاً وهدايا
وفاءاً لجهوده وما تحمّله من أذى وعناء في تبليغ الرسالة ، عندها نزل الوحي
بالآية الكريمة ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ) ...
ومن هنا يمكن القول : إن العقل والنقل متفقان على أن كمال الإنسان هو
بامتثال الأوامر الإلهية والانقياد إلى التكاليف الشرعية ، وقد أمر الله
تعالى في كتابه العزيز الحميد بمودة ذوي القربى وتعظيمهم والإحسان إليهم ،
وجعل مودتهم أجرا لرسالة سيد البشر محمد المصطفى (ص)
وبامتثال أوامره واجتناب نواهيه يحصل الخلود في دار النعيم .
ومما لا شك فيه أن المودة التي فرضها الله تعالى ـ على المسلمين ـ لآل
البيت (ع) لها معطيات يعود نفعها على المسلمين
أنفسهم لقوله تعالى :( ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم ) ومن هذه المعطيات
هي :
انّ الفرد المسلم بحاجة إلى المنهل العذب والنبع الأصيل الذي يضمن له معرفة
الخير من الشر والحق من الباطل ويهديه إلى الصراط المستقيم لنيل خير الدنيا
والآخرة ، وبما أن الإنسان يميل إلى الأخذ ممن يحب وممّن تعلّق قلبه به ،
لذا أرشد المولى تعالى إلى مودة أهل البيت (ع)
ومحبتهم ليؤخذ العلم من أهله، والدين من محله ، والتنزيل من مَنزِله ،
والاعتقاد من أصله، وبذلك تكون محبتهم (عليهم السلام)
وقاءً وعاصماً من الانحراف الفكري وإتباع تيارات المبطلين والفرق الضالة ،
وبذلك تكون فيصلاً للدين الحق عن أباطيل المغرضين .
ومنها أيضاً إن التمسك بمودة أهل البيت (ع) يؤول
إلى الاعتراف بإمامتهم وخلافتهم للرسول (ص)
ونتيجته الاجتماع ووأد الفرقة بين جموع المسلمين كافة فيصبحوا متراصين
متكاتفين ، وإلى هذا أشارت الزهراء البتول (ع)
بخطبتها بعد السقيفة بقولها: (الحمد لله الذي جعل إمامتنا أماناً من
الفرقة...).
وان من أعظم أسباب مودة أهل البيت (ع) امتثال
أمرهم والتخلق بأخلاقهم والسير على نهجهم وإحياء أمرهم والتمسك بشعائر
مواساتهم وإقامة مجالس العزاء وفي مناسبات عديدة خلال السنة ومنها: المجالس
الحسينية في شهري محرم الحرام وصفر ، والمناسبات الأخرى للنبي
(ص) والأئمة الأطهار (ع) من وفياتهم ،
ومواليدهم ، أو الأعياد الإسلامية والمذهبية ، وإقامة الاحتفالات ، مع
الحرص على أن تكون هذه المجالس والاحتفالات ذات مضمون ثقافي ، وفكري ،
وأخلاقي ، واجتماعي ، يرتبط بشؤون الأمة حيث كانت ومازالت المواكب الحسينية
تمثل عملا جماهيريا مهما في الأمة ، سواء المحلية منها ، أم الموسمية ومن
أظهرها إحياء مراسيم عاشوراء، وزيارة الأربعين ، ووفاة النبي الأعظم
(ص) ووفاة أخيه ووصيه الإمام أمير المؤمنين (ع)
، فتحولت هذه المواكب إلى عمل اجتماعي وثقافي ضخم سواء من حيث الإخراج أم
المضمون أم الانسجام أم الكثافة العددية والنوعية . حتى أصبحت هذه
الممارسات بحق مدرسة جماهيرية واعية للأمة ، ومؤسسة تعبوية روحية ، وثقافية
، واجتماعية ، لهذا نجد تأكيدات فقهاء الأمة (أعزّهم الله تعالى) على
الحفاظ على استمرار هذه الشعائر ودعمها مادياً ومعنوياً ورعايتها بشكل
مباشر من خلال إقامتها في بيوتهم أو الحضور في أماكن إقامتها وإذا سنحت لهم
الفرصة خرجوا معها سيراً على الأقدام باتجاه مراقد الأئمة الأطهار وخصوصاً
الحضور عند قبر الحسين (ع) في زيارة الأربعين
والحضور عند قبر أمير المؤمنين (ع) في ذكرى
وفاته ووفاة الرسول الأعظم (ص) .
فالحرص على إقامة هذه الشعائر ترجمة حيّة وواقعية لمودة أهل البيت
(ع) لأنها ممارسة نابعة من قلب مؤمن بهم وبما ورد عنهم ومتحرق
بالأسى لمصابهم، فهنيئاً لإتباع الحق هذا التأسي وهنيئاً لهم هذه المودة. |