لقاءات

مع الجرح

 

أجرى اللقاء : فتحي الربيعي

 لم ينج اي احد من العراقيين من سياسة الطاغية ونهجه الدموي في العراق وان تفاوت مقدار الأذى الذي نال كل واحد منهم وكما كان للرجال والأطفال والشيوخ كان للنساء حصتهن أيضاً وسرن جنباً إلى جنب مع الرجال المأسورين خطوة بخطوة في مراحل الاعتقــــــــال المهينة وهجمات وزوار الليل المرعبين وعانين مراحل التعذيب ما قبل الاستجواب وأثناءه وما بعده وعشن كذلك مفردات أيام السجون
والطوامير الرهيبة وما كان يجري فيها وكان النظام اراد ان يضرب مثلاً بالمساواة بين الرجل والمرأة.

 وأم حيدر كانت واحدة من تلك النساء التي سرق النظام منها فرحتها واحلى سنيّ عمرها وما ان ولجت عالم الزوجية حتى فتح لها جلادي الطاغية باباً لولوج عالم الرعب او جهنم الأرض كما يسميها البعض لا لشيء ابداً إلا لأنها اقترنت بزوج هو الآخر لا يدري ماذا جنى حتى جرى عليه ما جرى، فقررت أن التقي بهذه المرأة وأحاول ان أسلط بعضاً من الضوء على ايام معاناتها التي قدر لها ان لا تنتهي.
النجف الأشــــــرف: كيف عشت ايام النظام السابق قبل ان تكوني ضحيته المباشرة وبعدها؟
أم حيدر: منذ طفولتي نشأت وأنا ارى كل من حولي يعانون بألم شديد من ممارسات النظام القمعية ضد العراقيين والشيعة منهم على وجه الخصوص وطالما عايشت لحظات البكاء والألم وفقد الأحبة وقسوة خنقة الصوت فكانت العوائل تتلقى الضحايا من أبنائها واحداً بعد واحد دون حق بالبكاء علناً وكنت فيما بعد واحدة من ضحايا النظام وجربت كل انواع الألم تلك وما زالت مرارتها الى الآن تأخذ بنفسي.
النجف الأشـــــــــــرف: ما هي التهمة التي أخذتك لما خلف قضبان الطاغية؟
أم حيدر: في سنة 1991 تزوجت من ابن عم لي ولم يمضٍٍ أكثر من شهرين ونصف بعد حتى فوجئنا ذات يوم باقتحام دارنا الذي كنت اسكنه وزوجي وأحاط مجرمو النظام وما كانوا يعرفون برجال الأمن بالدار فيما هجم الآخرون علي وهم يحملون اسلحتهم الموجهة نحوي واصطحبوني بعنف إلى سيارة بعد أن غطّوا راسي لمزيد من الرعب ولكي لا استدل على المكان الذي يريدون اخذي إليه وهذه طريقة من طرق العذاب التي كانت تمارس ضد المأسورين وأهلهم والألم يكن هناك من يخيف هؤلاء حتى يلجأوا إلى تلك التصرفات وفي أثناء ذلك انهالوا علي بالغلط والسباب وبابشع الألفاظ وتوعدوني بأنهم سيفعلون بي ما يطيب أن يفعلوا حين يأخذونني إلى زنزانات الرعب ولكم ان تتصوروا مقدار الرعب الذي أصيبت به فتاة صغيرة في مقتبل العمر وتتعرض لمثل هذا الموقف في ظل صورة من الرعب الأسود تتراءى لكل العراقيين لكم تمنيت ان يكون كل ذلك كابوساً استيقظ منه وينتهي لكنه لم يكن كذلك وكان واقعاً مراً مؤلماً لم يمتلك اولئك الوحوش إلى معنى إنساني وكانوا وحوشاً حقيقية بهيئة البشر لقد عمل الطاغية على تدريب أتباعه على الفتك بالناس وكان اقربهم إليه أكثرهم وحشية وضراوة على الناس.
النجف الأشرف: كيف كانت أيام السجن؟
أم حيدر: في زنزانات الشعبة الخامسة التي لم اعرف مكان وجودي فيها الا بعد مرور سبعة اشهر من الاعتقال وضعوني في سجن انفرادي طيلة فترة التوقيف التي دامت سنة وشهرين وحين كنت اتساءل مما سبب اعتقالي يقولون ذنبك هو انك زوجة فلان وهذا بنظر قانون صدام جريمة وهناك وطيلة فترة وجودي بزنزانة انفرادية وهي ليست بالقصيرة عانيت من الألم ما لا يطاق سواء من جهة الضغط النفسي أو الشوق للأهل أو مرارة الظلم فأنا لم أفعل شيئاً، وفي احد الأيام اجروا تنقلات مكثفة وفي ساعة متأخرة من الليل وأخرجوا الموقوفين إلى أماكن مجهولة وبالذات الموقوفين الذين كانوا يعارضون نظام صدام. (السياسيين) واصطحبونا إلى أماكن مجهولة عرفنا فيما بعد مرور أربعين يوماً ومن خلال الحرس أن منظمة حقوق الإنسان قد تحضر وقد يأتون لتفتيش السجون ولذلك فهم قد أخذوا احتياطاتهم ولذلك تم فيما بعد نقلنا إلى الشعبة الخامسة.
النجف الأشــــــــــــــــرف: هل كانت هناك محكمة عرضتم عليها أم ماذا؟
أم حيدر: بعد ان قضينا طيلة فترة سنة وشهرين أرسلونا إلى محكمة خاصة وامتلئت القاعة بالموقوفين الذي كان عددهم تقريباً 63 والجميع كان في اصعب حال منهم من كسرت أعضاءه ومنهم من حمل على نقالة واحضرونا إلى المحكمة التي قال ضباط الاستخبارات إنها محكمة عادلة وشاهدنا وسمعنا عدالة نظام صدام فتم قراءة الحكم من قبل القاضي وحكم على (32). بالإعدام في محاكمة صورية ودون وجود محام يدافع عنهم وبلا أي ادلة على تورطهم بشيء سوى الشبهة وحكم علي بالسجن لمدة سنتين وثم تم نقلنا بعد مضي 40 يوماً من المحكمة إلى سجن ابو غريب وبالنسبة لي تم نقلي إلى سجن الرشاد.
النجف الأشــــرف: هل كان لعائلتك علم بما يجري عليك هناك؟
أم حيدر : لم يكن لأي احد من ذوي المسجونين علم بالتهمة الموجهة لذويهم ولا مكان اعتقالهم وبعد نقلي إلى سجن الرشاد تم إبلاغ أهلي وهنا قد عرفوا أني لا زلت على قيد الحياة.
النجف الأشـــــــــــــــرف: بعد خروجك من السجن هل تركك النظام وشأنك.
أم حيدر: بعد انقضاء المدة وخروجي من السجن استمر النظام على ارسال ضباط أمن باستمرار إلى دار أهلي ليأخذ مني المعلومات عن مكان إقامتي ومضيت فترة إلى سنة 2001 حيث تزوجت مرة أخرى من رجل يحمل شهادة الدكتوراه في قسم الفلسفة باللغة العربية بعد أن شرحت له وضعي فتقبل الوضع على ما هو عليه وبعد مضي السنة والنصف تقريباً على زواجنا وبعد أن رزقنا الباري عزوجل بطفل سميته (حيدر) وبعد أن أصبح عمر حيدر خمسة أشهر تقريباً تم اعتقالي وأخي وزوجي مرة أخرى وهي أيضاً بلا أي ذنب أو تهمة أعرفها وبعد ثلاثة أيام خرج أخي وزوجي وبقيت أنا بالسجن.
النجف الأشرف: وما كانت الدعوى هذه المرة؟
أم حيدر: كانت الدعوى في البداية القيام باستفسار بسيط وتحول البسيط إلى صعقات كهربائية وتعذيب بالوسائل الوحشية أما المكان الذي فيه فيكفي ما فيه من تعذيب نفسي والكائن بأمن الرصافة حيث قضيت فيه مدة أربعة اشهر يعلم الله أني أعجز حتى عن وصفها وبعد أن أعلن عن العفو العام والشامل خرجت والحمد لله رب العالمين وأكثر ما كنت اشتاق إليه هو احتضان ابني وجعله في أحضاني.
النجف الأشـــــــــــرف: وهل فعلت ذلك وكيف كان استقبال اهلك؟
أم حيدر: بقدر حجم اللهفة التي عشتها لاجتمع بطفلي الصغير تلقيت صدمة لم أكن أتوقعها لقد واجهني زوجي بدعوى للطلاق بل وطلب حضانة ومع انه كان لديه أربعة من الأبناء من زواج سابق أراد أن يحرمني من طفلي الوحيد الذي كان كله حاجة لي وكيف وهو لم يتجاوز السنة بعد والأسوأ من ذلك انه هددني بأنه سيستغل ما تعرضت له من ظلم كسلاح في المحكمة لكسب الدعوى وقد فعل وما كان اقسى ذلك ان نظلم من ذوي القربى بهذا الشكل لكن بفضل الله تمكنت من كسب الدعوى وحكم لي بالاحتفاظ بصغيري حيدر وقد تزامن ذلك مع سقوط الطاغية نظامه الدموي.
النجف الأشرف: هل من كلمة أخيرة؟
ام حيدر: لا يسعني الا ان اقدم شكري لمجلتكم مجلة النجف الأشرف لإتاحتها الفرصة لي بعرض صورة من صور المعاناة التي عاشها ولا زال يعيشها العراقيين.
ونحن بدورنا إذ تعرض هذه الصورة التي تنطوي على بيان لحجم الظلم والحيف الذي كان يقع على العراقيين نتساءل عن دور الحكومة في التخفيف عن مثل هؤلاء المظلومين المحرومين ونتساءل أيضاً أليس من حق هؤلاء أن يقدموا في اولويات التعويض المادي والمعنوي وان من حقهم أن يطلبوا من المسؤولين الانصاف قال تعالى (فذكر أن الذكرى تنفع المؤمنين).